عثمان بن جني ( ابن جني )
456
الخصائص
فإنه وجه آخر ، وطريق من طرق الشدّة غير ما تقدّم . وإنما الغرض فيه أن الرّوع قد بزّ العقيلة - وهي المرأة الكريمة - حياءها ، حتى أبدت عن ساقها ؛ للحيرة والهرب ؛ كقول الآخر : لمّا رأيت نساءنا * يفحصن بالمعزاء شدّا وبدت محاسنها التي * تخفى وكان الأمر جدّا " 1 " وقوله : إذا أبرز الروع الكعاب فإنهم * مصاد لمن يأوى إليهم ومعقل " 2 " وهو باب . وضدّه ما أنشده أبو الحسن : ارفعن أذيال الحقىّ واربعن * مشى حييّات كأن لم يفزعن إن تمنع اليوم نساء تمنعن " 3 " وأذكر يوما وقد خطر لي خاطر مما نحن بسبيله ، فقلت : لو أقام إنسان على خدمة هذا العلم ستّين سنة حتى لا يحظى منه إلا بهذا الموضع لما كان مغبونا فيه ، ولا منتقص الحظّ منه ، ولا السعادة به . وذلك قول اللّه - عزّ اسمه - : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] ولن يخلو ( أغفلنا ) هنا من أن يكون من باب أفعلت الشئ أي صادفته ووافقته كذلك ؛ كقوله :
--> - الخدام : جمع الخدمة ، وهي الخلخال ، وقد تسمى الساق خدمة حملا على الخلخال لكونها موضعه . . وعدّى تبدى بعن لأنّ فيه معنى تكشف . اللسان ( خدم ) . ( 1 ) البيتان من مجزوء الكامل ، وهو لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص 82 . المعزاء : الأرض الصلبة . الشدّ : العدو . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص 95 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( مصد ) ، وجمهرة اللغة ص 657 ، ومقاييس اللغة 5 / 329 ، ومجمل اللغة 4 / 331 ، وتاج العروس ( مصد ) . الكعاب : التي نهد ثديها ، والمصاد : أعلى الجبل . ( 3 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( حلق ) ، وجمهرة اللغة ص 562 ، وروايته : رخين أذيال الحقىّ وارتعن * مشى حميّات كأن لم يفزعن إن يمنع اليوم نساء تمنعن